السيد محمد هادي الميلاني

47

محاضرات في فقه الإمامية ( الزكاة )

وهذا مختار الشيخ الطوسي ( قدس سره ) . ولعل نظره الشريف إلى أن الزكاة تتعلق بمالية المائتي درهم ، وهذه محفوظة في ضمن المتاع الذي اشتراه في أثناء الحول . وربما يؤيد هذا القول بالاستصحاب ذلك أنه لما كان مالكا للمأتي درهم كان مكلفا بأداء الزكاة ، والآن نشك في بقاء هذا التكليف ، فنستصحب بقاءه . وكلا الدليلين محل نظر . أما انحفاظ المالية فلو كان العرض هو الأصل لكانت الزكاة واجبة ، في حين ذهب المشهور - ومنهم الشيخ الطوسي - إلى استحباب الزكاة بعد تبديل الدراهم بالمتاع . فالزكاة الأولى كانت واجبة ، وهذه - لو ثبتت - فإنما هي مستحبة . واختلاف الحكم بالوجوب والاستحباب لا يعقل إلا مع تعدد الموضوع ، فكيف يمكن القول بانحفاظ المالية ؟ وبعبارة أخرى : الحكم يدور مدار الموضوع ، فإن كان الموضوع مال التجارة فهو لم يحل عليه الحول ، وإن كان الموضوع المالية فلا بد من الحكم بوجوب الزكاة حينئذ . وأما الاستصحاب فهو من القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلى ، وقد ثبت عدم حجيته ( 1 ) . مضافا إلى أنه استصحاب تعليقي ( 2 ) وهو ليس

--> ( 1 ) - القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلى هو أن يكون الشك في بقاء الكلى من جهة الشك في وجود فرد آخر مقام الفرد المعلوم حدوثه وارتفاعه ، أي ان الشك في بقاء الكلى مستند إلى احتمال وجود فرد ثان غير الفرد المعلوم حدوثه وارتفاعه ، لأنّه إن كان الفرد الثاني قد وجد واقعا فإن الكلي باق بوجوده ، وإن لم يكن قد وجد فقد انقطع وجود الكلى بارتفاع الفرد الأول . وفي جريان الاستصحاب في هذا القسم ثلاثة أقوال : جريانه مطلقا ، وعدم جريانه مطلقا ، والتفصيل بين احتمال حدوث الفرد الثاني في ظرف وجود الأول فيجري الاستصحاب فيه ، وبين احتمال حدوثه مقارنا لارتفاع الأول - بتبدله إليه أو بمجرد المقارنة الاتفاقية فلا يجرى . والقول الأخير هو مختار الشيخ الأنصاري ( قده ) . أما مختار سيدنا الجد قدس سره فهو عدم جريان الاستصحاب في هذا القسم مطلقا . والاستدلال على ذلك موكول إلى المباحث الأصولية من هذه المحاضرات . وأما انطباق ذلك على ما نحن فيه . فان الشك في بقاء حكم الزكاة في المثال ناش من الشك في ثبوت زكاة مال التجارة من وسط الحول استحبابا حتى يقوم ذلك مقام زكاة الدراهم الواجبة التي مضى عليها بعض الحول ، ومن الواضح أنه من مصاديق القسم الثالث من استصحاب الكلي . ( 2 ) - لأن ثبوت الزكاة في الدراهم ليس فعليا ، بل هو على تقدير حول الحول .